أشخاص بسطاء يعيشون بيننا ولا نكاد نشعر بهم. تصافح الشمس وجوههم كل صباح. لا يبالون بلهيب بؤونة، ولا يكسرهم برد طوبة. لا يحلمون بشيء سوى الستر، ولقمة عيش كريمة مغموسة بعرق الشقاء. لا يُحملون الحكومة شيئًا، ولا يطلبون من المسؤولين أكثر من نظرة رأف بحالهم.

في أماكن معينة في المدن الكبرى، وفي المناطق الصناعية، كل واحد منهم يحمل في يديه وعلى كتفيه معدات الشقاء، «أجنة؛ شاكوش؛ مطرقة؛ فأس؛ كريك بأحجام مختلفة...». يبدأون يومهم بعد صلاة الفجر. تجدهم يفترشون الأرض بابتسامة رضا؛ انتظارًا لمن يحنو عليهم، ويقصدهم في عمل يومي؛ ليعودوا آخر النهار بجنيهات قليلة، تسد رمق أفراخهم الذين تركوهم وراء ظهوروهم، وتعينهم على تحمل مصاريف الغذاء والدواء.

لكل منهم قصة، ورحلة كفاح، ومأساة تستحق أن تُروى. البعض يُطلق عيلهم «الفواعلية»، أو «عمال اليومية»، وآخرون يسمونهم بـ«عمال التراحيل»، أو «الأرزقية»؛ تعبيرًا عن معاناتهم في الحصول على الرزق الحلال يومًا بيوم، دونما حساب لغدر الأيام. وعلى الرغم من ذلك، كثيرًا ما يُهاجمون، ويُطارَدون من قِبل بعض المسؤولين بحجة «تشويه شكل الميادين» خلال انتظارهم مَنْ يتعطف عليهم بفرصة عمل.

هم أقل الناس إثارة للمشاكل. ليست لديهم الجرأة في المواجهة أو طلب البديل. لم ينظموا وقفات احتجاجية أو مظاهرات فئوية. في عز الهدم بعد الأحداث التي تلت 25 يناير 2011 كانت سواعدهم مشغولة بالبناء. الأيدي التي اعتادت على البناء لا تعرف الهدم. لم يطالبوا المسؤولين بتوفير وظيفة حكومية أو راتب معقول، أو حتى تأمين صحى يعينهم على مواجهة تلك الحياة. كتموا أناتهم. التحفوا بأوجاعهم، أسروا همومهم وراحوا يعملون في صمت، ودون أن يشعر بهم أحد.

الحكومات المتعاقبة كانت تنظر إليهم على أنهم مجرد «سقط متاع»، لا قيمة لهم. لم تكلف نفسها عناء البحث عن مشاكلهم. لم تلتفت إلى أوجاعهم. لم تسع إلى الاطمئنان على أحوالهم. وليسوا في حسبانها إلا عند إجراء التعداد السكاني، أو عند الحصول منهم على مقابل مادي للخدمات التي تقدمها لهم.

وعندما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتقلصت فرص العمل، وباتوا ضحية الأزمة الاقتصادية وشلل قطاع العقارات‏،‏ لم يكن أمامهم سوى توجيه صرخة للحكومة، يطالبونها بتبني إنشاء نقابة تضمن حقوقهم، وتوفر الحد الأدني للحياة الكريمة. لكن، بينما كان «الشقيانين» في وادٍ التعب ظلت الحكومة تعيش في وادي الطناش.

واليوم، أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي الاعتبار لهؤلاء الذين يعيشيون على هامش الحياة، وكلف الحكومة بتأمين العمالة اليومية والحرفيين وأصحاب المهن، والحفاظ على حقوق العمالة، والبحث عن بدائل تضمن لهم تأمينًا صحيًا يليق بهم.

كلمات الرئيس السيسي- خلال افتتاحه المرحلة الأولى للصوب الزراعية بموقع الأمل، وتدشين مشروع الصوب الزراعية بمدينة العاشر من رمضان وأبو سلطان- كانت واضحة وضوح الشمس على وجوه الشقيانين.. قال «الحكومة محتاجة تفكر هل العمالة دي بيتأمّن عليها. ولو عايز يتعالج بيتعالج. لازم نفكر فى كل العمالة اليومية بمشروعات الدولة.. نفكر إزاي نعمل ده.. مثلا وزارة الإسكان بتشتغل معاها ألف شركة فيها مليون عامل، هل ما أقدرش في العقد مع الشركة آخد قسط شهري للعامل يتحط في صندوق بالتنسيق مع البنوك ووزارة التضامن للتأمين على هؤلاء العمالة؟».
ثم أشاد الرئيس السيسي بقرار محافظ البنك المركزي، طارق عامر، تخصيص مليار جنيه للابتكار، مطالبا بإتاحة جزء من هذه الأموال للشباب المبتكرين، دون فائدة، قائلا «عايزين لو لقينا شاب شاطر وعايز يشتغل، ياخد تمويل بدون فايدة من البنك المركزي، ويشغّل مشروعه». مضيفًا «عايزين نقول للمجتهد إحنا شايفينك، في كل الحرف إللي تراجعت في مصر بشكل
أو آخر، وإزاي نقدر نعمل دفعة ليهم تاني، ونشجعهم ونقول لهم تعالوا وعلموا الناس معاكم».

ولأن آفة حكوماتنا انتظار توجيهات الرئيس، فقد وجه السيسي حديثه للحكومة قائلًا «لو عاوزين تطلعوها بقرار وقانون طلعوها.. عاوزين نوصل لعمالنا».. فهل وصلت الرسالة للحكومة؟ وهل تتحرك سريعًا؛ لترسم البسمة على وجوه المنكسرين؟