تقليص مساحة تل قويسنا الأثري تحت غطاء رسمي

موافقة رسمية بتخصيص 8 أمتار من مساحة التل لشق طريق

والقمر الاصطناعي يكشف وصول عرض الطريق لـ 30 مترًا

تنازل غير قانوني ينقذ مقاول انتهك الحرم الأثري للتل من العقوبة

إحصائية رسمية: إزالة 14% فقط من التعديات على الأراضي الأثرية

تحقيق – أحمد عيد عاشور وعلاء أبورية:

افترضنا أنه طالما تعرضت مواقع أثرية هامة تقع تحت الأضواء، مثل الفسطاط في القاهرة (الجزء الأول)، ومحيط أهرامات دهشور (الجزء الثاني)، ومناطق أثرية في محافظة الأقصر الأثرية (الجزء الثالث)، فإن التعديات طالت أيضًا المواقع الأثرية الأخرى الواقعة في محافظات بعيدة عن الأضواء، ووقع اختيارنا على مدينة قويسنا بالمنوفية، لنختبر هناك ما افترضناه.

الجزء الأول| "بلا أثر".. تحقيق استقصائي يكشف تآكل الأراضي الأثرية في مصر (1-4)

الجزء الثاني| "بلا أثر".. تحقيق استقصائي يكشف تآكل الأراضي الأثرية في مصر (2-4)

الجزء الثالث| "بلا أثر".. تحقيق استقصائي يكشف تآكل الأراضي الأثرية في مصر (3-4)

عند زيارتنا لها كانت مدينة قويسنا بالمنوفية تقبع في ظلام دامس، وهدوء مطبق، فرضته عليها المساحات الزراعية الشاسعة التي تحدها شرقًا وجنوبًا، والمنطقة الصناعية التي تقع على جانبها الغربي، ولا يفصل بين الأراضي والمصانع إلا تل أثري يسمى تل المحاجر، المكود أثريًا برقم 080105.

كان التل قبل 16 عامًا يغطي الطريق الذي قطعناه المواجه للتل، إلا أن عملية تقليص مساحته بدأت عندما وافق الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، والإدارة المركزية بالوجه البحري وفقًا لكتاب الإدارة رقم 1801 المؤرخ بـ 10 يونيو 2001، بمد طريق بغرب الموقع الآثري، وحدد محضر مؤرخ بـ 17 يونيو 2001 عرض الطريق بـ 8 أمتار غرب التل الأثري.

الموافقة على تخصيص طريق بعرض 8 أمتار من مساحة التل
الموافقة على تخصيص طريق بعرض 8 أمتار من مساحة التل

ولكن، طوال هذه الفترة اتسع هذا الطريق طولًا وعرضًا، كما هو مبين في فحص القمر الاصطناعي الذي قمنا به، والذي يوضح أن عرض الطريق وصل إلى 30,48 مترًا بدلًا من الـ 8 أمتار المخصصة.

صورة القمر الاصطناعي توضح تمدد عرض الطريق
صورة القمر الاصطناعي توضح تمدد عرض الطريق

كما حصلنا بالفعل على صورة من تقرير فحص برقم 105 لسنة 2017 مقدم للنيابة الإدارية بقويسنا يثبت انتزاع 195150 متر مكعب من رمال التل الأثري.

لم تكن الرمال وحدها التي تم الاستيلاء عليها، فهذه الرمال تحتوي كنوزًا تم إتلافها أثناء تحميل هذه الكمية الضخمة من الرمال أو الاستيلاء عليها هي الأخرى"، كما جاء في التقرير الذي اعتبر هذا "تعدٍ سافر في حق البلد وتراثه نشتم منه رائحة التربح والفساد"، ومخالفة لقانون حماية الآثار.

يحمل تقرير الفحص مدير عام منطقة آثار المنوفية، ومدير منطقة آثار المنوفية، ومسؤول التل الآثري بمنطقة محاجر قويسنا، وأمن التل، مسؤولية تقلص مساحة التل، لأن مدير المنطقة، ومديرها العام يقومان بالمرور على الأقل مرتين شهريًا منذ تولي الأول منصبه في 2011 والثاني في 2014، بينما مسؤول التل لا يترك المنطقة إلا مرة أو مرتين في الشهر منذ توليه عمله قبل إنشاء الطريق في 2001، فضلًا عن تواجد الأمن 24 ساعة، بدون تحرير أي محاضر تعدي.

مستند من التقرير 105 الذي يثبت الاعتداء على التل الأثري
مستند من التقرير 105 الذي يثبت الاعتداء على التل الأثري

تل بلا حرم

يخصص قانون حماية الآثار لكل موقع أثري حرمًا أمنًا يصل في المناطق غير المأهولة إلى 3 كيلومترات، ويشترط في مادته 22 الحصول على ترخيص بالبناء في هذا الحرم بعد موافقة هيئة الآثار (وزارة الآثار حاليًا).

ولم يسلم الحرم الأثري للتل هو الآخر من التعدٍ والانتهاك، فقد تم تحرير محضر 80 أحوال إلى مأمور مركز شرطة قويسنا بتاريخ 18 يوليو 2016، تفيد بأن المقاول المفوض من مديرية الإسكان والمرافق بمحافظة المنوفية لانشاء وحدة ترخيص مرور قويسنا، تعدى بالحفر دون ترخيص على الموقع الخاضع لقانون حماية الآثار بقرار وزاري رقم 764 لسنة 1999.

إلا أن لجنة المعاينة أقرت في محضر المعاينة المؤرخ بـ 24 يوليو بأن المقاول لا علم له بمثل هذه التراخيص وتم إجباره على "رد الشيء لأصله وردم جميع أعمال الحفر التي قام بها لحين تقديم الأوراق والمستندات المطلوبة منه" لاستخراج ترخيص البناء وتسليم الموقع، وهو ما تم في يوم 27 يوليو 2017.

محضر معاينة التعدٍ على التل الأثري
محضر معاينة التعدٍ على التل الأثري

قبل هذا التاريخ بيومين أرسل مدير عام آثار المنوفية إفادة بإزالة أسباب مخالفة المقاول، وعليه تم حفظ المحضر.

إفادة بإلغاء المحضر المحرر ضد التعدٍ على التل الأثري
إفادة بإلغاء المحضر المحرر ضد التعدٍ على التل الأثري

وحصل "دوت مصر" على مستند التفويض يطالب المقاول بوضوح باستخراج التصاريح اللازمة، بما يعني معرفته بالتراخيص، بالتناقض مع ما جاء في محضر المعاينة.

ومن الملاحظ أن محضر المعاينة أغفل الإجراءات القانونية التي أوضحتها نشرات وزارة الآثار للتعامل مع التعدي، ومنها النشرة الصادرة برقم 2614 بتاريخ 3 ديسمبر 2012، التي تنص على ضرورة إحالة محضر التعدي "للشئون القانونية لجواز سير الإجراءات وسلامتها".

مستند يثبت معرفة المتعدي بضرورة استخراج تصاريح
مستند يثبت معرفة المتعدي بضرورة استخراج تصاريح

الغريب أنه في يوم 27 أكتوبر 2016 حرر مفتش آثار بموقع التل الآثري محضرًا حمل الرقم 4 ضد المقاول، لقيامه بالحفر "في الأرض الخاضعة لقانون حماية الآثار، دون الحصول على الموافقات اللازمة من السلطات المختصة بوزارة الآثار عن الحفر والبناء"، ومستند آخر بشأن حفر المقاول في الأرض الخاضعة للأثار بدون إشاف من الوزارة.

محضر الاعتداء المحرر من مشرف الأثار
محضر الاعتداء المحرر من مشرف الأثار

محضر الاعتداء المحرر من مشرف الآثار
محضر الاعتداء المحرر من مشرف الآثار

التضارب في الأوراق والمستندات دفعنا إلى اللجوء لصور القمر الاصطناعي، وفي يوم 25 يوليو، أي بعد يوم واحد من المحضر الذي يفيد بإزالة التعدي وفي نفس اليوم الصادر فيه الإفادة وطلب حفظ المحضر، كشفت الصور وجود حفر وأساسات في الموقع، كما بدا في الجولة التي أجريناها في موقع التل، استمرار المبنى وارتفاعه عدة طوابق.

صورة القمر الاصطناعي تبين استمرار الحفر في الموقع
صورة القمر الاصطناعي تبين استمرار الحفر في الموقع

ارتفاع المبنى داخل الموقع
ارتفاع المبنى داخل الموقع

غياب التعامل

وثق هذا التحقيق التعديات التي تقع على مواقع أثرية هامة في أربع محافظات مختلفة في مصر. هذه التعديات ظاهرة تطول الآن معظم المواقع الأثرية في مختلف المحافظات، إلا أن الغريب في الأمر هو غياب التعامل السريع مع هذه التعديات، رغم وجود نص قانوني ينص على ضرورة إزالة التعدي في فترة لا تتجاوز 10 أيام، وهو ما تكشفه هذه الإحصائية الرسمية التي حصلنا عليها من مصدر داخل وزارة الآثار.

تشير هذه أخر إحصائية أجرتها وزارة الآثار بشأن التعديات التي وقعت في الفترة بين 2015 و2016، إلى وقوع 4740 تعدٍ على المواقع الأثرية، صدر لهم جميعًا قرارات إزالة رسمية، إلا أن ما تم تنفيذه فعلًا من هذه القرارات 752 قرار، بنسبة 14% فقط من مجمل القرارات.

إحصائية رسمية بشأن التعديات على المواقع الأثرية
إحصائية رسمية بشأن التعديات على المواقع الأثرية

وبين قرارات إزالة حبيسة الأدراج، وتعديات مستمرة، ومصالحات نافذة، يعبث العابثون بتاريخ هذا الوطن، ويتناوبون على الاستيلاء على أراضي تحمل تاريخه، وإذ ربما يأتي يومًا لا نجد لأراضي آثارنا أثرًا.