يخطئ من يظن أن قضية القدس قد انتهت بعد الفيتو الأمريكي، فمن خلال قراءة بسيطة في التصويت الذي قادته الدبلوماسية المصرية في مجلس الأمن ثم الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار الرئيس الأمريكي ترامب باعتبار القدس عاصمة دولة إسرائيل والذي أسفر بشكل عام عن 128 دولة صوتت ضد القرار الأمريكي، مقابل 9 دول صوتت تأييدا لقرار، و35 دولة بين امتنعت وغابت عن التصويت، ورغم أن تصويت الأمم المتحدة على قرار ليس له تأثيرا على قرار الرئيس الأمريكي، إلا أن هذه الكتلة التصويتية الضخمة ضد القرار الأمريكي، كفيلة بإحراج السياسة الخارجية الأمريكية والتأثير بشكل مباشر على دور الوساطة الذي تحاول أن تقوم به في عملية السلام، ليس في الشرق الأوسط فقط، ولكن في العالم أجمع، وما زاد من هذا التأثر السلبي هو التهديد المباشر والصريح الذي صدر عن سياسيين أمريكيين بوقف المعونات والمساعدات التي تقدمها ضد أي دولة ستصوت ضد القرار.

وعلى الرغم من كل التهديدات التي تعرضت لها الدولة المصرية إلا أنها قررت أن تخوض معركة للتاريخ بكل شفافية وشرف وكرامة للقضية الفلسطينية والمنطقة العربية بالكامل، ولكن بالرجوع إلى نتائج التصويت نجد أن 35 دولة إفريقية صوتت ضد القرار الأمريكي، ودعما لحق الفلسطينيين في تقرير المصير وتأسيس دولتهم وعاصمتها القدس، ووقفت جنوب إفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا جنبا إلى جنب مع جمهورية مصر العربية ضد وجه الغطرسة الأمريكية، ودعم الموقف العربي.

دلالة هذا الموقف شديدة الإيجابية ومبشرة وتعبر أن الدول الكبرى في إفريقيا لا تزال تقف إلى جانب الموقف العربي الذي قادته الدولة المصرية في هذه المرحلة، وهي مرحلة مهمة لبناء جسور جديدة من التواصل العربي الإفريقي من خلال البوابة الأكبر للعلاقات المصرية الأفريقية، وبقدر هذه المؤشرات المتفائلة هناك مؤشرات شديدة الخطورة، حيث إن الدول الـ 9 التي صوتت مؤيدة لقرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل من بينهم دولة إفريقية، وهناك 7دول إفريقية من بين الدول التي امتنعت عن التصويت من بينهم كينيا والكونغو، و8 دول إفريقية أخرى غابت عن حضور جلسة التصويت من بينهم دولة جنوب السودان.

الخطورة تكمن في ضرورة تحليل موقف الدول التي امتنعت عن التصويت والدول التي غابت عن المشاركة في يوم التصويت، والدولة الإفريقية الوحيدة التي أيدت القرار هو أمر أكثر خطوة، فهذا الموقف يعني في أقل تقدير أن هذه الدول شعرت بالحرج لأن لها مصالح مع أمريكا أو إسرائيل تعوق حريتها في الإعلان موقف عادل وواضح لأكبر صراع في التاريخ الحديث.

وبلاشك التهديد الأمريكي كان له تأثيره المباشر، ولكن يجب أيضا أن ننظر لمدى تغلغل إسرائيل في إفريقيا، فطالما كانت إفريقيا أحد الجبهات التي تستهدفها إسرائيل منذ اندلاع الصراع "العربي الإسرائيلي".

إن هذا التصويت يحتاج أن تقف الدول العربية جميعا لمراجعة موقفها من الدول الإفريقية، هذه الكتلة التصويتية التي طالما تضامنت مع الحق العربي رغم ضعف المصالح المشتركة بينهم.

المؤكد أنه لم تعد جمهورية مصر العربية وحدها هي التى تحتاج للبحث عن دور لها في القارة السوداء، ولم تعد وحدها هي التي تحتاج التوازن فى العلاقات الدبلوماسية الخارجية، ومراجعة اتصالها وتواصلها مع دوائر الأمن القومي التقليدية، فالأمة العربية كافة مسئولة لدعم التواصل من القارة الإفريقية.