مع دخول الانتفاضة الشعبية أسبوعها الثاني، سقطت قداسة نظام ولاية الفقيه. تمددت التظاهرات ضد فساد النظام وتدخله في شؤون الدول الأخرى، ودعمه للإرهاب، ووصلت إلى أكثر من 70 مدينة. البعض رأى أن هذه الاحتجاجات الواسعة بداية النهاية لـ«حكم المرشد». فريق آخر رأى أن من الصعوبة بمكان سقوط الدولة الفارسية، وتغيير نظامها بسهولة.

الأوضاع في إيران تشتعل. أعداد القتلى والمصابين في ازدياد. السجون فتحت أبوابها للمعتقلين الذين تجاوزا الألف. مشاهد الغضب لما يسمى بـ«الربيع الإيراني» لا يمكن لعين أن تخطئها، ولا يمكن لباحث منصف تجاهلها. القمع من جانب الأمن الإيراني يتزايد يومًا بعد يوم، يقابله تصعيد مضاد من قِبل المحتجين.

يرفع المتظاهرون شعارات: «خبز.. عمل.. حرية»، وإسقاط نظام ولاية الفقيه، ورحيل المرشد الأعلى للنظام، علي خامنئي، إضافة جملة مطالب رئيسية أهمها:-

أولًا: الإطاحة بنظام ولاية الفقيه، وإجراء استفتاء عام حول شكل النظام المستقبلي، وهو النظام الجمهوري الموجود في الدول المتقدمة، مع إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وبإشراف دولي.

ثانيًا: تقويض أيديولوجية نظام الملالي، وتحرير المجتمع من وهم قيادة العالم الشيعي، والتوقف عن التدخل في شؤون العالم الإسلامي بزعم ما يسمى «تصدير الثورة الإسلامية».

ثالثًا: فصل الدين عن السياسة، والاعتماد على حكومة تكنوقراط؛ لإدارة شؤون البلاد. وإقرار حرية اختيار النساء لملابسهن، وإلغاء الحجاب القسري.

رابعًا: إلغاء القيود المفروضة على وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، والسماح بالحصول على المعلومات.

خامسًا: التوزيع العادل للثروة وخطط للتنمية والقضاء على الفقر والبطالة والحرمان.

في أول يومين من الاحتجاجات، ظنت السلطة الإيرانية أنها «سحابة صيف»، وخرج الرئيس الإيراني حسن روحاني، يهدد ويتوعد المتظاهرين، ويتهم «جهات أجنبية» بتدبير «مؤامرة» لإسقاط النظام الإسلامي.

روحاني نفسه عاد وقال في تغريدة له: «لدى الشعب حديث حول المشاكل المعيشية والفساد وعدم الشفافية في بعض مؤسسات الدولة. هم يريدون الانفتاح أيضا. ليس كل من خرج للشارع مسير من مكان ما. علينا أن نولي اهتمامنا لمطالب الشعب».

هل ما كتبه «روحاني» يعد تراجعًا عن موقفه من المتظاهرين، واستعداده «الجاد» للاستجابة لمطالبهم «المشروعة» كما يقول، أم أنه «انحناء مؤقت» حتى تمر العاصفة بسلام؟

مما لا شك فيه أن اتساع رقعة الاحتجاجات في إيران أربكت النظام «القمعي»، وأجبرته على إعادة النظر، والتفكير بشكل مختلف في التعامل معها. كما أن مشاهد إحراق صورة «المرشد»، وإشعال النيران في تمثاله، أسقطت «هالة القداسة» عن نظام «الفقيه» التي حرص على تكريسها- بشتى الوسائل- في نفوس الإيرانيين.

وعلى الرغم من ذلك كله، يتخوف البعض من تكرار ما حدث في طهران عام 2009، عندما شهدت البلاد احتجاجات واسعة على خلفية تزوير الانتخابات في حينها، قبل أن يتمكن النظام من إخمادها بالقوة.

على أي حال، ووفقًا للمعطيات الحالية، ومن خلال القراءة الآنية للمشهد الإيراني من جوانبه وأبعاده المختلفة، يمكننا القول إننا أمام سيناريوهات أربع:-

الأول: «انهيار النظام»، وهو المستبعد حدوثه- على الأقل في الوقت الحالي- فالوقع في الدولة الفارسية معقد جدا، والنظام هناك يحكم البلاد بـ«الحديد والنهار». كما أن إيران ليست مثل ليبيا أو سوريا، أو حتى اليمن.

الثاني: أن يقدم النظام الإيراني بعض «التنازلات»، ويتخذ بعض الإجراءات «الإصلاحية»؛ لتهدئة الجموع الغاضبة في الشوارع، وتخفيف حدة الضغط الدولي التي باتت تحاصره من كل جانب.

الثالث: أن يأكل النظام الإيراني نفسه، بمعنى وصول قوى داخلية إلى رأس السلطة على حساب قوى متصارعة أخرى، مثل الجيش، أو الحرس الثوري.

السيناريو الرابع، وهو الأخطر، أن يتكرر سيناريو 2009، حين نجح الأمن في قمع الاحتجاجات التي اتهمت السلطة بتزوير الانتخابات.

كل الاحتمالات مطروحة، لكن يتكاثر في ذهني سؤال: أي السيناريوهات الإيرانية أفضل للمنطقة؟ ولماذا؟

ظني أن السيناريو الأفضل للمنطقة هو تقديم النظام الإيراني بعض التنازلات، ويتخذ إجراءات إصلاحية داخلية، ويكف عن تدخله في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية، ويبتعد عن دعمه وتمويله التنظيمات الإرهابية، وسياساته التخريبية الخارجية.. فهذا هو الأفضل للمنطقة. أما حال سقوط النظام الإيراني، كما حدث في سوريا وليبيا واليمن، فليس من المستبعد انشطار «قنابل الإرهاب» الإيراني في المنطقة بطريقة يصعب التعامل معها، وسوف تكلفنا الكثير من الأرواح قبل الأموال.