أردوغان في السودان. ليس مجرد خبر. الشيطان يمكن في التفاصيل. والتفاصيل تحتاج إلى مَنْ يجيد قراءة المشهد المعقد في المنظقة.

الحديث عن السودان «شائك» وذي شجون. هناك روابط ووشائج أخوية وتاريخية وقومية وأمنية تربط الشعبين الشقيقين. هذا ليس كلامًا إنشائيًا، بل حقيقة كان النيل ولا يزال شاهدًا عليها. لكن الله ابتلاه بحاكم عقله في أذنيه. حاكم لا عهد له ولا ذمة. تمامًا كالجماعة التي ينتمي إليها.

«إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا». قالها المتنبي. ومصر كثيرًا ما أكرمت «عمر البشير» لكنه قابل المحبة بالكراهية، والإحسان بالإساءة.

هناك أسرار لم يدفنها الزمن. مصر صمتت كثيرًا عن أفعال البشير. أصابع الاتهام أشارت إلى تورط الرئيس السوداني في محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا. البشير آوى عناصر إرهابية من تنظيم الإخوان الهاربين من مصر. البشير اتخذ موقفًا عدائيًا من مصر في أزمة سد النهضة. ادعى أن «حلايب وشلاتين» سودانيتان وأنه سوف يقدم شكوى ضد مصر في الأمم المتحدة. ثم ختمها بمنح تركيا حق إدارة جزيرة «سواكن» في البحر الأحمر.

«عدو عدوي صديقي». زيارة أردوغان للسودان ليست بريئة. القصد من الزيارة واضح «التآمر على مصر». الرئيس التركي لم يتخل عن أوهام الخلافة العثمانية الاستعمارية. جاء إلى الخرطوم وهو يحمل رشاوى في هيئة استثمارات بالمليارات. وجد في البشير «أداة» يهدد بها مصر. أطماع أردوغان تلاقت مع أطماع البشير الذي يقدم تنازلات ليهرب من المحكمة الجنائية الدولبة لارتكابه جرائم حرب في دارفور.

البشير «تحت الطلب». يذهب إلى مَنْ يدفع أكثر. يولي وجهه شطر قطر حين تجزل له العطاء. ويستدعي تركيا ويمنحها جزيرة «استراتيجية». مَنْ يفرط في جنوب السودان من السهل عليه التفريط في جزيرة. ومَنْ يتحالف مع الإخوان يمكنه التحالف- بسهولة- مع الشيطان.. وما أكثر الشياطين المتآمرين على مصر!

سيقول السفهاء: وأين كانت مصر من السودان ومن إفريقيا؟ والإجابة عن السؤال بسؤال: ومنذ متى التقطت مصر أنفاسها بعد ثورة 30 يونيو؟ منذ هذا التاريخ وما قبله بسنوات ومصر تخوض حروبًا على جبهات عدة؛ حربًا اقتصادية؛ حربًا وجودية؛ حربًا ضد الإرهاب نيابة عن العالم.

أردوغان سيستخدم البشير خنجرًا يطعن به مصر. سيجعل من جزيرة «سواكن» منصة تهديد لأمن القاهرة بعد أن عزز تواجده في الصومال ليكون قريبًا من باب المندب. سيحيلها إلى ممر للإرهابيين كما فعل في سوريا.. فماذا نحن فاعلون؟
علينا أن نهدأ قليلًا. فالملاسنات الإعلامية، ووصلات الشتائم لا تجدي نفعًا. هل تُضار الراقصة بوصفها راقصة؟

أي رد انفعالي عنتري قد يكلفنا الكثير. وأي عمل عسكري قد يوقعنا في «فخ» يتمناه أعداؤنا. الحلول الدبلوماسية لا تزال مطروحة، وإن كانت لم تعد تجدي نفعًا مع البشير. أنت تتحدث عن شعب شقيق، وإن كان حاكمه لا يراعي وشائج الأخوة. هناك حلول أخرى «غير معلنة»، لكنها تتطلب الصبر، والثقة في القيادة السياسية والوقوف خلفها.